الثعلبي

152

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

عبادك المؤمنين الذين وفدوا إليّ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ شعثا غبرا ، تركوا الأهلين والأولاد والأحباب ، وخرجوا شوقا إليّ زائرين مسلمين طائعين ، حتى قضوا مناسكهم كما أمرتهم ، فأسألك أن تؤمنهم من الفزع الأكبر وتشفّعني فيهم وتجمعهم حولي ، فينادي الملك : إن منهم من ارتكب الذنوب بعدك وأصرّ على الذنوب الكبائر حتى وجبت له النار ، فتقول الكعبة : إنما أسألك الشفاعة لأهل الذنوب العظام . فيقول اللّه : قد شفّعتك فيهم وأعطيتك سؤلك . فينادي منادي من جو السماء : ألا من زار الكعبة فليعتزل من بين الناس . فيعتزلون ، فيجمعهم اللّه حول البيت الحرام بيض الوجوه آمنين من النار يطوفون ويلبون ، ثم ينادى ملك من جو السماء : ألا يا كعبة اللّه سيري . فتقول الكعبة : لبيك لبيك والخير بيديك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ، ثم [ يمدّونها ] إلى المحشر « 1 » . وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا . قال عكرمة : لما نزلت وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ « 2 » قالت اليهود : فنحن مسلمون فأمروا أن يحجوا إن كانوا مسلمين ، واللام في قوله للّه لام الإيجاب والإلزام ، أي قد فرض وأوجب على الناس حجّ البيت . قرأ أبو جعفر والأعمش وحمزة والكسائي : حِجُّ ، بكسر الحاء في هذا الحرف خاصة . وقرأ ابن أبي إسحاق جميع ما في القرآن بالكسر ، وهي لغة أهل نجد . وقرأ الباقون : بالفتح كل القرآن ، وهي لغة أهل الحجاز . واختيار أبي عبيد ، وأبي حاتم ، فهما لغتان فصيحتان بمعنى واحد . وقال الحسن الجعفي الفتح [ المصدر ] والكسر اسم الفعل ، ثم قال : مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا اعلم أن شرائط وجوب الحج تسعة أشياء هي : البلوغ والعقل والإسلام والحرية ؛ لقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « رفع القلم عن ثلاثة : عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى ينتبه » « 3 » [ 119 ] . و لقوله صلى اللّه عليه وسلّم : « أيّما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه حجة أخرى ، وأيّما أعرابي حج ثم هاجر فعليه حجة أخرى » [ 120 ] « 4 » . وأراد بالهجرة هاهنا : الإسلام وتخلية الطريق ، وهي أن يكون الطريق آمنا مسلوكا ، لا مانع فيه من عدو ونحوه ، فإن كان غير مسلوك لم يجب الحج .

--> ( 1 ) إعانة الطالبين : 2 / 313 - 314 . ( 2 ) سورة آل عمران : 85 . ( 3 ) مسند أحمد : 6 / 100 بتفاوت . ( 4 ) المعجم الأوسط : 3 / 140 ، نصب الراية : 3 / 75 .